عبدالله شاخەوان نجم الدين
ساهم التقدم العلمي الهائل في تقنيات المعلومات في العقود الثلاثة الأخيرة إلى قيام ثورة إلكترونية في جميع المجالات، وأصبح من الصعوبة الاستغناء عن خدماتها. وعلى الرغم من كثرة الفوائد التي رافقت ظهورها، إلا انها ساهمت ايضاً في ظهور العديد من الجرائم التي يقترفها بعض من مستخدمي هذه التكنولوجيا والتي تتصف بخطورتها وسهولة ارتكابها سيما كونها جرائم عابرة للحدود، وهي ما يطلق عليها الجرائم الالكترونية.
هذه الجرائم إما انها تقع على الكمبيوتر ذاته، وإما أن تقع بواسطة الكمبيوتر حيث يصبح أداة طيعة في يد الجاني يستخدمها لتحقيق أهدافه الإجرامية، حيث استغل بعض المجرمين الأشرار الاختراعات العلمية وما تقدمه من وسائل متطورة في ارتكاب الجرائم مستغلين تلك الإمكانيات المستحدثة، او استحداث صور جديدة من الإجرام ترتبط بهذه التقنيات التي اصبحت فيما يعد محلاً لتلك الجرائم او وسيلة تستخدم لارتكابها، وقد اثر هذا في تزايد معدلات الجرائم، وادى إلى ظهور نوع جديد من الجرائم، عرف باسم الجرائم الإلكترونية.
يلاحظ أن بعض مجرمي الإنترنت التقليديين قد تركوا جريمة سرقة بطاقات الائتمان ومعلومات التعريف الشخصية، واتجهوا الى اسلوب أبسط وهو الابتزاز الالكتروني، حيث يستخدمون التهديدات التي تحتوي على صور شخصية، او افلام رقمية للضحية للمطالبة بأموال بدلاً من سرقتها. والابتزاز الإلكتروني غالبا ما يكون ضحاياه من الفتيات. ان الابتزاز الالكتروني ظاهرة جديدة ودخيلة على المجتمع العراقي، تشغل وسائل الإعلام كافة وكذلك الرأي العام، فأصبح يذكر بشكل متزايد ليروي لنا قصصاً مؤلمة عن واقع المجتمع، لاسيما التعدي على حقوق الافراد او استغلالهم من غير وجه حق، مما يوجب تطوير التشريعات الجنائية لتوائم تطور الوسائل الالكترونية المستخدمة في تنفيذ تلك الجرائم.
وتعد جرائم الإنترنت بجميع أشكالها واحدة من أسرع مجالات الإجرام نمواً وذلك بفعل التطور المتواصل للتقنيات المستخدمة فيه، عليه سنتناول في هذا المبحث تعريف الابتزاز الالكتروني ومن ثم بيان اسبابه واساليبه وذلك من خلال ثلاثة مطالب. يرجع اصل كلمة “ابتزاز” إلى الفعل الثلاثي بزّ بتشديد الزاي، فيقال: بزَّ الشيء يبزه بزاً اي اغتصبه، والبزَ السَّلب، وابتززت الشيء: استلبته، ومنه جاء المثل “من عزَّ بزّ”، أي من غلب سلب. اما معجم المعاني الجامع، فقد عرفه على أنه “الحصول على المال أو المنافع من شخص تحت التَّهديد بفضح بعض أسراره أو غير ذلك.” اما الابتزاز الإلكتروني، فهو عملية تهديد وترهيب للضحية بنشر صور أو مواد مصورة أو تسريب معلومات سرية للضحية، مقابل دفع مبالغ مالية، او استغلال الضحية للقيام بأعمال غير مشروعة لصالح المبتز.
يتم تصيد الضحايا اما عن طريق البريد الإلكتروني أو برامج التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك، سكايب، تويتر، واتس اب، الإنستغرام، سناب شات او اية وسيلة الكترونية، يستطيع من خلالها المجرم الوصول إلى معلومات الضحية، وذلك بسبب استخدامها الواسع من قبل كافة فئات المجتمع. وبسبب قلة الوعي والثقافة القانونية، يلجأ الضحايا للتكتم على هذه الجريمة الخطرة في اغلب الاحيان تجنباً للفضيحة وتبعاتها السلبية على الضحية والعائلة في المجتمع. وإذا نظرنا لتعريف جريمة الابتزاز الالكتروني نجد أنها جريمة تتعلق بالحصول على أموال أو ممتلكات أو خدمات من فرد أو مؤسسة عن طريق التهديد، واستخدام قوة غير مشروعة، كاختراق الحاسوب والتقاط صور أو فيديوهات “مادة جنسية ” للشخص أو قد يكون هو من قدمها للمُبتز بنفسه، ثم يقوم المُبتز بطلب المال في المقابل، فيسبب الكثير من المعاناة والألم للضحية وإذا قمنا بتحليل هذا التعريف، فأننا نستنتج :
أولاً: ان تهديد شخص ما وإكراهه على دفع مال، أو خدمة، أو تنازل عن ممتلكات، هو اعتداء صريح على حق الملكية الشخصية والمتمثلة بالأموال والممتلكات الخاصة، وكذلك يشكل اعتداء على حق الفرد في الأمن والأمان من خلال استخدام عنصر التهديد، والذي من المفترض أن يكون الفرد آمنا على حياته وممتلكاته الخاصة من الاعتداء عليها.
ثانياً: ان اختراق الهواتف النقالة والحصول على المراسلات الخاصة بالأفراد، وتهديد الشخص بها، يعد انتهاكا لسرية المراسلات، وحرمة الحياة الخاصة للأفراد التي كفلها الدستور.
ويسمى المال المدفوع نتيجة الابتزاز رشوة إسكات وكان مصطلح ابتزاز أصلاً مقصورًا على جمع رسوم غير قانونية بوساطة موظف عام. ويعاقب على الابتزاز بالسجن، أو بالغرامة، أو بكلتيهما، غير ان الفرق بين الابتزاز والرشوة هو أن الرشوة تدفع طواعية من قبل مقدمها لكونها تحقق له منفعة أو تدفع عنه أذى، بينما ينطوي الابتزاز على استخدام التهديد بالإضرار بالسمعة والمكانة الاجتماعية بنشر الأسرار، مع ذلك فقد يلتقي الابتزاز مع الرشوة في النهاية في حصول الجاني على منافع مادية او معنوية من الضحية .
يعد من بين اهم اسباب انتشار ظاهرة الابتزاز الالكتروني ضعف الوازع الديني للفرد، نتيجة التجاهل او عدم الالتزام بأحكام الشريعة الاسلامية. كما ان دخول وسائل الاتصالات الحديثة بشكل كبير جداً في المجتمع، سهل للمجرمين استغلال تلك الوسائل الحديثة لارتكاب جرائمهم. كما لا ينكر ما للأسرة من دور فعال في الحد من التعرض لمثل هذه الجرائم وذلك من خلال ما تقوم به من رقابة ومتابعة وتوجيه متمثلاً بالوالدين فيصبح من الصعب على اي فرد من أفراد الأسرة اتباع طرق غير سوية، وان تهاون الأسرة في الرقابة على أبنائها او إعطائهم الحرية من دون ضوابط صحيحة، بالتالي فالأسرة هي التي سوف تدفع الثمن من سمعتها ومكانتها الاجتماعية.
تقع المسؤولية الرئيسية لحماية الشباب على عاتق الآباء اكثر من الشباب أنفسهم. والأهم من ذلك، يتمثل بالنهج الأكثر نجاحاً في حماية الشباب من خلال تعزيز مهاراتهم في الاستخدام الامثل للتقنيات الحديثة وتعلم وسائل الحماية الشخصية, كما ان ضعف التوعية المجتمعية يعد من بين الاسباب الرئيسية لانتشار جرائم الابتزاز الالكتروني، سواء من خلال وسائل الاعلام ونشر الثقافة القانونية بهذا الموضوع او من خلال مؤسسات المجتمع المدني وخاصة تلك التي تهتم بشؤون المرأة باعتبارها ضحية هذه الجرائم في الغالب، وكذلك دور المدرسة والجامعات في نشر التوعية والثقافة في اوساط الشباب لتوعيتهم بكيفية استخدام الوسائل الالكترونية الحديثة وحماية انفسهم في الوقت نفسه من الوقوع ضحية لمثل هكذا جرائم.
(*)ماجستير قانون عام، كلية القانون، جامعة تيشك الدولية.

